من حق حركة التوحيد والإصلاح أن تفخر


بقلم محمد يتيم
هذا المقال تتمة لسلسلة المقالات السابقة الخاصة بالإصلاح الثقافي على الرغم من أنه سيتعرض لحدث المؤتمر السادس لحزب العدالة والتنمية ، وسيستثمره في الحديث عن دور النخبة في الإصلاح الثقافي .
فقد يظن البعض أننا ونحن نطرح دور النخبة في الإصلاح الثقافي نريد أن نبرز دورها باعتبار ما تمتلكه من قدرات معرفية وفكرية ومعطيات علمية لم تتأت لغالب '' عامة '' الناس . لكن بالرجوع إلى تعريفنا للثقافة في الحلقات السابقة من حيث أنها تعبير عن الشخصية الجماعية المشتركة التي تحدد الاستجابات الجماعية والتي تشتغل فينا غالبا على مستوى اللاوعي ، سيتبين أن الدور الذي نتحدث عنه لا يقصد به دورها في التعليم ونشر المعرفة وفي التثقيف ، وإن كان هذا الدور ضروريا وأساسيا .
علاوة على ذلك فمفهوم النخبة يتعدى النخبة المثقفة كي يشمل غيرهم من النخب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإعلامية وأعيان المجتمع ممن لهم مركز وسلطة مادية أو معنوية، إن هؤلاء بقدر تأثيرهم من خلال ما ينشرون من معارف وأفكار لتنوير المجتمع وإصلاحه، فإنهم يرسلون رسائل سلوكية أكثر تأثيرا وأقرب إلى الاستقبال من قبل عموم المجتمع إيجابا أو سلبا.
نحن هنا أمام ما سميناه في حلقات سابقة بدور التأثير غير المباشر في تغيير السلوكات والمواقف الثقافية، فموقف أصيل صادق ملموس قد يكون لم من الأثر والتأثير ما لا تستطيع إحداثه آلاف المحاضرات والمقالات ، والناس على دين ملوكهم كما يقال أي على نهج قياداتهم الاجتماعية والسياسية والعلمية والثقافية والقيم التي يصدرون عليها في سلوكهم ومواقفهم العملية
وبالرجوع إلى السيرة النبوية سنجد أن نجاح صاحب الدعوة لم يكن فقط بعظمة الرسالة التي جاء مبشرا بها ، وبربانية مصدرها ، بل كان أيضا بعظمة أخلاق الرسول الكريم كما جاءت بذلك شهادة القرآن نفسه حيث قال : '' وأنك لعلى خلق عظيم '' .
لقد أبى الحق سبحانه إلا أن يكون رسول الإسلام رجلا من قريش يعرفونه حق المعرفة ، وكان من أكبر ما عرف به الصدق والأمانة حتى صار يلقب فيهم : '' الأمين '' ، بل من كبير المفارقات أن آخر شيء قام به هو الوصية بودائعهم وأماناتهم قبل هجرته بقليل ، أي أنه في مقابل المؤامرة القرشية التي يبتت بليل ، والتي كانت تقضي تفاصيلها بتفريق دمه بين القبائل ، كان هو في المقابل حريصا على أداء الأمانة والوفاء بمقتضياتها حتى وهو معرض لمؤامرة خبيثة .
وحتى لا يظن بأن السمو الخلقي مسألة تاريخية متعذرة لم يعد لها مكان في زمننا الحاضر ، نسوق مثالا عشناه قبل أيام ويتمثل في الإنجاز الديمقراطي الكبير الذي عرفه المؤتمر السادس لحزب العدالة والتنمية، ولا أحب أن أسميه الإنجاز الشوري، لأن الشورى لم تكن هي مشكلة المسلمين إذ عرفوا على الدوام أشكالا مختلفة من الشورى والمشورة والتشاور ، ولكن المشكلة كانت هي إيجاد آليات للتداول السلمي على السلطة بعيدا عن منطق الشوكة والغلبة ،فكان ما كان من فتن وإراقة وتأول في الدماء كادت أن تتحول إلى قاعدة في أعمال التغيير السياسي التي عرفها التاريخ الإسلامي .
المؤتمر الوطني السادس لحزب العدالة التنمية سيبقى معلمة تاريخية ، ليس فقط لأنه مارس الديمقراطية والاختيار الحر لقيادة الحزب ولكن أيضا لأنه أظهر مستوى عاليا من الأخلاق على مستوى التداول والإقرار بالنتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع ، مما أقر به القريب والبعيد وسلم به الأصدقاء والخصوم . ولعمري ففي ذلك من الرسائل العملية أكثر من آلاف المقالات والمناظرات التي كتبت أو التي من الممكن أن تكتب حول علاقة الحزب بالديمقراطية ، أو إدعاء هذه الحركة أو تلك بأنها حركة لبعض أو كل الديمقراطيين . المؤتمر الوطني لم يكتف فقط بإعمال آليات الديمقراطية بل أضاف عليها بعدا جديدا هو البعد الأخلاقي الراقي المتمثل في التداول المسؤول الذي يسعى للوصول إلى الأصوب لا إلى تصفية الحسابات أو التنفيس عن الأحقاد الكامنة .
ما شهد عليه المراقبون في المؤتمر السادس للحزب ليس جديدا على المدرسة الفكرية والتربوية التي أنحذر منها بن كيران والعثماني ، بل هو ممارسة متأصلة مسبوقة داخل حركة التوحيد والإصلاح حيث تداول على مسؤوليتها بنفس النهج والأسلوب ، أي بالاعتماد على التداول الذي كان يسمى ذات يوم '' جرحا وتعديلا '' عدة رؤساء . ومن ثم ومن باب رد الفضل إلى أهله وجب تهنئة الحركة لكونها هي التي كونت بنكيران والعثماني وغيرهما على هذه الثقافة ، وهي التي طورت هذه الثقافة التي اصطحبها معهما العثماني وبنكيران .
صحيح إن الحركة قد شقت لنفسها طريقا ينحو منحى يسير في اتجاه مزيد من التركيز على وظائف الدعوة والتربية والتكوين ، ومن التمايز على مستوى الرموز والخطاب ، والتزمت مبدأ وقناعة بالابتعاد عن أي وصاية عن الحزب والعكس صحيح ، وأن الحزب قد خط لنفسه أيضا خطا يتجه أكثر على التركيز على العمل السياسي والتمييز بين مجاله وأدواته وخطابه العمل ، ولكن ستظل حركة التوحيد والإصلاح وينبغي أم تبقى خلفية تخليقية ، وإطارا لبناء القيم الثقافية الايجابية اللازمة ليس فقط لمناضلي حزب العدالة والتنمية وللعمل السياسي، ولكن لمجمل الحياة الوطنية بجميع تجلياتها من خلال العمل المتواصل على تربية وتكوين الإنسان الصالح المصلح . وفي ذلك فليتنافس المتنافسون الصادقون .
محمد يتيم















