العقيدة وصندوق الاقتراع
03/09/2007
أبو بكر الجامعي:
بينما يتخبط الشرق الأوسط حول كيفية تطبيق الدمقرطة، بما في ذلك الحركات الإسلامية التي أصبحت ذات شعبية متصاعدة في العقود الثلاثة الأخيرة، تقدم الانتخابات البرلمانية للسابع من شتنبر في المغرب بعض الأفكار المفيدة.
لقد أظهر استطلاع للرأي أجري قبل عامين أن 47 في المائة من المغاربة سيصوتون لصالح حزب العدالة والتنمية. نسبة 47 في المائة هذه، أصبحت ذا رمزية متعددة الأبعاد في المنطقة.
في سنة 1991، فازت جبهة الإنقاذ الجزائرية الإسلامية بالجولة الأولى في الانتخابات بنسبة 47 في المائة، وهي حصيلة أدخلت البلاد في حرب أهلية دموية وزرعت البلبلة في صفوف الجيش.
وفي شهر يوليوز المنصرم، فاز حزب العدالة والتنمية التركي في الانتخابات البرلمانية بنسبة 47 في المائة. ومع أن الجنرالات الأتراك لم يرتاحوا لفوز الحزب الإسلامي، فليس هناك من سبب للقول أن صعود الحزب سيؤدي إلى مواجهة مفتوحة أو اندلاع أعمال عنف مع القوات العلمانية.
في المغرب، يحاول حزب العدالة والتنمية محاكاة النموذج التركي أكثر منه النموذج الجزائري. وإذا كان الملك محمد السادس سمح بتطور واستمرارية حزب العدالة والتنمية –يعتبر هذا الحزب حاليا أقوى أحزاب المعارضة ضد تحالف حاكم مكون أساسا من الاتحاديين والاستقلاليين- فلأنه قد يكون مكسبا جيدا للمغرب ونموذجا للدول العربية الأخرى للاحتذاء به.
لقد سمحت الملكية لحزب العدالة والتنمية بالاندماج في المشهد السياسي منذ 1997. ولحزب العدالة والتنمية، كما هو الحال بالنسبة لحركة حماس الفلسطينية، روابط إيديولوجية وتاريخية إسلامية مع حركة الإخوان المسلمين في مصر.
ويرى زعماء العدالة والتنمية أن الإسلاميين الجزائريين أخطأوا عندما اختاروا مواجهة مفتوحة مع الجيش، وبموازاة مع ذلك، عبروا عن إعجابهم بالصمود الحكيم وانتشار الإسلاميين الأتراك وترجموا ذلك باندماجهم في المشهد السياسي المغربي.
في انتخابات سنوات 2002 و2003، وافق الحزب، وإن على مضض، على مطلب النظام بتحديد عدد الدوائر التي سيتنافس فيها. وقد استطاعوا الفوز بـ42 مقعدا في البرلمان والاستحواذ على أربع جماعات في الانتخابات المحلية.
ورغم أن بعض أعضاء الحزب يهاجم النظام علنيا لكن الحزب لا يفعل ذلك.
لكن، لماذا ينخرط الإسلاميون في هذه اللعبة السياسية؟
والجواب هو أن مؤسسي الحركات الإسلامية الذين كونوا حزب العدالة والتنمية ارتأوا الاعتماد على استراتيجية مفادها أن قرار المشاركة في الأنشطة السياسية، مع أمل الوصول إلى السلطة في يوم ما، هو أفضل من البقاء كمعارضين على الجهة الأخرى.
ويبدو أن إستراتيجية العدالة والتنمية بدأت تؤتي أكلها بسبب تزايد شعبيته والمواقف المرنة تجاهه التي يبديها حلفاء المغرب في الغرب.
وكمثال على ذلك، في ماي 2006، قام سعد الدين العثماني، أمين عام الحزب، بجولة التقى خلالها ببعض خلايا البحث والتفكير الأمريكية وأعضاء من الكونغريس في واشنطن في زيارة تم التنسيق لها مع وزارة الداخلية الأمريكية. وحسب مسؤول أمريكي، فهذه الزيارة تروم التأكيد على أن الولايات المتحدة تستطيع التعامل مع هذا النوع من الإسلاميين.
يعتبر حزب العدالة والتنمية من أبرز الأحزاب في البلاد التي تتبع سياسة شفافة. فحساباتها المالية تخضع للمراقبة، كما أنها تصدر تقريرا سنويا حول الأنشطة البرلمانية للحزب، إضافة إلى تنظيم لقاءات لانتقاء مرشحيه للانتخابات التشريعية. علاوة على ذلك، ففي الجماعات الأربع التي يسيرها الحزب، لم يتم فرض الشريعة الإسلامية.
لقد فهم الحزب الإسلامي أن الناخبين يريدون حكامة جيدة وليس حظرا للخمر أو فرض لباس معين على النساء. إذن، مع عدم إقفال أي محل لبيع المشروبات الكحولية أو فرض الحجاب على النساء، فليس من الضروري أن يخاف المنتقدون من المغاربة والغرب من هذا الحزب الإسلامي.
هذا لا يعني أن الطريق واضحة تماما. فعلى حزب العدالة والتنمية أن يصارع من أجل الاحتفاظ بالدعم الإسلامي ضد المنافسة الإسلامية الأخرى كجماعة العدل والإحسان التي يرفض زعيمها، عبد السلام ياسين، الاعتراف بشرعية النظام ويعتقد أن العدالة والتنمية تساند ذلك بمشاركتها في الانتخابات.
ليس من المرجح أن يترجم حزب العدالة والتنمية استطلاعات الرأي الواعدة إلى أغلبية برلمانية في هذه الانتخابات. قد يحصل الإسلاميون على أكبر عدد من المقاعد لكنها ليست كافية لتشكيل الحكومة القادمة.
لكن، هل ستتدخل الملكية لحث الأحزاب الأخرى على تشكيل تحالف مع الحزب الإسلامي؟ قد تكون خطوة ذكية. لأنها ستعزز صورة الملك على أنه إصلاحي بينما سيحافظ بذلك على جميع مستويات السلطة. لكن هذا الأمر لن يكون مفيدا بالنسبة للحزب الإسلامي بالضرورة.
فالملكية تختار معارضيها السياسيين من خلال السماح لهم بالتمتع بهالات السلطة بدون نفوذ حقيقي.
قد يكون صحيحا أن النظام المغربي أجّل الإصلاح الدستوري الذي كان من شأنه أن يعطي إشارة واضحة حول الالتزام بالدمقرطة، لكن رغم ذلك، فإن إستراتيجيته في التكيف، عوض الهجوم، مع الإسلام السياسي يجب أن تكون نموذجا يحتذى به في جميع منطقة الشرق الأوسط والغرب.
ترجمة: غزلان لكلاوي
عن مجلة «التايم» الأمريكية
أبو بكر الجامعي:
بينما يتخبط الشرق الأوسط حول كيفية تطبيق الدمقرطة، بما في ذلك الحركات الإسلامية التي أصبحت ذات شعبية متصاعدة في العقود الثلاثة الأخيرة، تقدم الانتخابات البرلمانية للسابع من شتنبر في المغرب بعض الأفكار المفيدة.
لقد أظهر استطلاع للرأي أجري قبل عامين أن 47 في المائة من المغاربة سيصوتون لصالح حزب العدالة والتنمية. نسبة 47 في المائة هذه، أصبحت ذا رمزية متعددة الأبعاد في المنطقة.
في سنة 1991، فازت جبهة الإنقاذ الجزائرية الإسلامية بالجولة الأولى في الانتخابات بنسبة 47 في المائة، وهي حصيلة أدخلت البلاد في حرب أهلية دموية وزرعت البلبلة في صفوف الجيش.
وفي شهر يوليوز المنصرم، فاز حزب العدالة والتنمية التركي في الانتخابات البرلمانية بنسبة 47 في المائة. ومع أن الجنرالات الأتراك لم يرتاحوا لفوز الحزب الإسلامي، فليس هناك من سبب للقول أن صعود الحزب سيؤدي إلى مواجهة مفتوحة أو اندلاع أعمال عنف مع القوات العلمانية.
في المغرب، يحاول حزب العدالة والتنمية محاكاة النموذج التركي أكثر منه النموذج الجزائري. وإذا كان الملك محمد السادس سمح بتطور واستمرارية حزب العدالة والتنمية –يعتبر هذا الحزب حاليا أقوى أحزاب المعارضة ضد تحالف حاكم مكون أساسا من الاتحاديين والاستقلاليين- فلأنه قد يكون مكسبا جيدا للمغرب ونموذجا للدول العربية الأخرى للاحتذاء به.
لقد سمحت الملكية لحزب العدالة والتنمية بالاندماج في المشهد السياسي منذ 1997. ولحزب العدالة والتنمية، كما هو الحال بالنسبة لحركة حماس الفلسطينية، روابط إيديولوجية وتاريخية إسلامية مع حركة الإخوان المسلمين في مصر.
ويرى زعماء العدالة والتنمية أن الإسلاميين الجزائريين أخطأوا عندما اختاروا مواجهة مفتوحة مع الجيش، وبموازاة مع ذلك، عبروا عن إعجابهم بالصمود الحكيم وانتشار الإسلاميين الأتراك وترجموا ذلك باندماجهم في المشهد السياسي المغربي.
في انتخابات سنوات 2002 و2003، وافق الحزب، وإن على مضض، على مطلب النظام بتحديد عدد الدوائر التي سيتنافس فيها. وقد استطاعوا الفوز بـ42 مقعدا في البرلمان والاستحواذ على أربع جماعات في الانتخابات المحلية.
ورغم أن بعض أعضاء الحزب يهاجم النظام علنيا لكن الحزب لا يفعل ذلك.
لكن، لماذا ينخرط الإسلاميون في هذه اللعبة السياسية؟
والجواب هو أن مؤسسي الحركات الإسلامية الذين كونوا حزب العدالة والتنمية ارتأوا الاعتماد على استراتيجية مفادها أن قرار المشاركة في الأنشطة السياسية، مع أمل الوصول إلى السلطة في يوم ما، هو أفضل من البقاء كمعارضين على الجهة الأخرى.
ويبدو أن إستراتيجية العدالة والتنمية بدأت تؤتي أكلها بسبب تزايد شعبيته والمواقف المرنة تجاهه التي يبديها حلفاء المغرب في الغرب.
وكمثال على ذلك، في ماي 2006، قام سعد الدين العثماني، أمين عام الحزب، بجولة التقى خلالها ببعض خلايا البحث والتفكير الأمريكية وأعضاء من الكونغريس في واشنطن في زيارة تم التنسيق لها مع وزارة الداخلية الأمريكية. وحسب مسؤول أمريكي، فهذه الزيارة تروم التأكيد على أن الولايات المتحدة تستطيع التعامل مع هذا النوع من الإسلاميين.
يعتبر حزب العدالة والتنمية من أبرز الأحزاب في البلاد التي تتبع سياسة شفافة. فحساباتها المالية تخضع للمراقبة، كما أنها تصدر تقريرا سنويا حول الأنشطة البرلمانية للحزب، إضافة إلى تنظيم لقاءات لانتقاء مرشحيه للانتخابات التشريعية. علاوة على ذلك، ففي الجماعات الأربع التي يسيرها الحزب، لم يتم فرض الشريعة الإسلامية.
لقد فهم الحزب الإسلامي أن الناخبين يريدون حكامة جيدة وليس حظرا للخمر أو فرض لباس معين على النساء. إذن، مع عدم إقفال أي محل لبيع المشروبات الكحولية أو فرض الحجاب على النساء، فليس من الضروري أن يخاف المنتقدون من المغاربة والغرب من هذا الحزب الإسلامي.
هذا لا يعني أن الطريق واضحة تماما. فعلى حزب العدالة والتنمية أن يصارع من أجل الاحتفاظ بالدعم الإسلامي ضد المنافسة الإسلامية الأخرى كجماعة العدل والإحسان التي يرفض زعيمها، عبد السلام ياسين، الاعتراف بشرعية النظام ويعتقد أن العدالة والتنمية تساند ذلك بمشاركتها في الانتخابات.
ليس من المرجح أن يترجم حزب العدالة والتنمية استطلاعات الرأي الواعدة إلى أغلبية برلمانية في هذه الانتخابات. قد يحصل الإسلاميون على أكبر عدد من المقاعد لكنها ليست كافية لتشكيل الحكومة القادمة.
لكن، هل ستتدخل الملكية لحث الأحزاب الأخرى على تشكيل تحالف مع الحزب الإسلامي؟ قد تكون خطوة ذكية. لأنها ستعزز صورة الملك على أنه إصلاحي بينما سيحافظ بذلك على جميع مستويات السلطة. لكن هذا الأمر لن يكون مفيدا بالنسبة للحزب الإسلامي بالضرورة.
فالملكية تختار معارضيها السياسيين من خلال السماح لهم بالتمتع بهالات السلطة بدون نفوذ حقيقي.
قد يكون صحيحا أن النظام المغربي أجّل الإصلاح الدستوري الذي كان من شأنه أن يعطي إشارة واضحة حول الالتزام بالدمقرطة، لكن رغم ذلك، فإن إستراتيجيته في التكيف، عوض الهجوم، مع الإسلام السياسي يجب أن تكون نموذجا يحتذى به في جميع منطقة الشرق الأوسط والغرب.
ترجمة: غزلان لكلاوي
عن مجلة «التايم» الأمريكية















