عابــر سـبيـــل
محمد عدراوي * ناشط جمعوي و سياسي * مهتم بالشأن الثقافي و الإعلإمي * محــاضر و مـؤطر في مجال إدارة و تنمية الموارد البشرية...
العدالة والتنمية المغربي.. تقدم أم تراجع؟

 
 
  العدالة والتنمية المغربي.. تقدم أم تراجع؟ 
  

كرست النتائج المعلن عليها من طرف وزارة الداخلية استمرار أحزاب التحالف الحكومي في موقع الصدارة مع تسجيل مفاجآت جزئية على مستوى ترتيب الأحزاب السياسية، لكن المفاجأة الكبرى التي سجلتها انتخابات 7 شتنبر (سبتمبر) تمثلت في امتناع ثلثي الناخبين المسجلين في اللوائح الانتخابية عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع، حيث تشير الأرقام الرسمية على أن نسبة المشاركة لم تتجاوز 37%، في حين شكك بعض الفاعلين في هذه النسبة واعتبروا النسبة الحقيقية أقل من النسبة المعلن عليها.


كما حملت هذه الانتخابات مفاجآت أخرى تحمل العديد من الدلالات التي من شأن تحليلها أن تساعدنا على رسم السيناريوهات الممكنة بعد الإعلان على النتائج النهائية لثاني انتخابات تشريعية تجرى في عهد الملك محمد السادس، أبرزها احتلال حزب العدالة والتنمية للرتبة الثانية بـ47 مقعدًا بعدما كانت استطلاعات الرأي ترشحه للفوز بالرتبة الأولى وكانت تصريحات أمينه العام تشير إلى إمكانية فوزه بـ70 مقعدًا، وحقق حزب الاستقلال الذي ينتمي إلى التحالف الحكومي المفاجأة باحتلاله للرتبة الأولى بـ52 مقعدًا، كما سجلت النتائج المعلن عليها تراجعًا كبيرًا لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي كان يشكل العمود الفقري للحكومة المغربية منذ سنة 1998 وكان يحتل الرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية السابقة، سواء في انتخابات 1997 أو في انتخابات 2002.

 

دلالات النتائج:


ضعف المشاركة في الاقتراع:


حملت نسبة المشاركة المعلن عليها من طرف وزير الداخلية وهي 37% الكثير من الأسئلة حول الدوافع الحقيقية التي جعلت ثلثي المغاربة يفضلون عدم الإدلاء بأصواتهم رغم حملات الدعاية المكثفة التي قامت بها وسائل الإعلام العمومي والإعلانات الإشهارية الكثيرة المبثوثة في كل مكان والحملة الدعائية الكبيرة التي قامت بها جمعية 2007 دابا التي يرأسها نور الدين عيوش وهو شخصية مقربة من الملك، فضلاً عن الخطاب الملكي لـ20غشت (أغسطس) والذي دعا المواطنين إلى التوجه بكثافة إلى صناديق الاقتراع واختيار الأصلح من بين المرشحين.

 

هناك من يرد أسباب ضعف المشاركة إلى أسباب تقنية من قبيل توقيت الاقتراع الذي تزامن مع نهاية العطلة الصيفية وبداية الموسم الدراسي واستعداد المغاربة لاستقبال شهر رمضان المبارك الذي يحظى بمكانة خاصة لديهم، بالإضافة إلى اختيار يوم الجمعة الذي يعتبر يومًا مقدسًا عند المغاربة.


لكن من المؤكد أن ضعف التفاعل مع دعوات المشاركة تقف وراءه اعتبارات سياسية بالدرجة الأولى:


أولاً: ضعف الثقة في مصداقية المؤسسات التمثيلية وفي جدوى العملية الانتخابية برمتها، ما دام دور البرلمان من الناحية الإستراتيجية محدود الوظائف ولا يحتل مكانة مهمة في عملية اتخاذ القرار السياسي؛ وهو ما دفع بالعديد من المواطنين إلى التساؤل: ثم ماذا بعد الانتخابات؟ خاصة وأنه في غمرة الحملة الانتخابية كانت التلفزة المغربية تقدم مشاهد عن الأنشطة الملكية، حيث يظهر الملك وهو يقوم بزيارات ميدانية إلى عدد من المشاريع التنموية للاطلاع عليها عن قرب، مما يجعل المواطن يدرك بأن مركز الفعل السياسي يوجد بيد الملك وليس بيد الأحزاب السياسية.


ثانيًا: تشرذم المشهد الحزبي؛ إذ بلغ عدد الأحزاب المشاركة في الانتخابات الأخيرة 33 حزبًا مع وجود 13 لائحة للمستقلين، وهو ما لا يشجع المواطن على التمييز بين البرامج الحزبية المتشابهة، فضلاً عن الحكم السلبي للمواطن العادي على مفهوم العمل الحزبي الذي عجز بدوره عن تأطير المواطن وإقناعه بجدوى المشاركة في الانتخابات.


ثالثًا: السلوكيات المنحرفة لبعض المرشحين وغياب أخلاقيات التنافس الانتخابي الشريف دفع بالعديد من المواطنين إلى مقاطعة المسلسل برمته والترفع عن الوقوع في "مستنقع الفساد"، وهذا موقف نفسي نابع من رؤية أخلاقية لا تستسيغ الدوس على القيم الأخلاقية خدمة لأغراض سياسية ضيقة...


رابعًا: طبيعة نمط الاقتراع المعتمد الذي لا يسمح لأي حزب من الحصول على الأغلبية ويساهم في تكريس البلقنة وتشتيت المقاعد، وهو ما لم يشجع الفئات المثقفة والمتوسطة إلى الذهاب بكثافة إلى صناديق الاقتراع، وهو ما بدا
واضحًا في المدن الكبرى التي سجلت أرقامًا جد متدنية من حيث نسبة المشاركة وصلت في بعضها إلى ما بين 10 و15%.

 

العدالة والتنمية: إلى أين؟


لم يكن من المنتظر أن يفوز حزب الاستقلال بالمرتبة الأولى في الوقت الذي كانت فيه استطلاعات الرأي ترشح حزب العدالة والتنمية للفوز بالمرتبة الأولى، وكانت تصريحات قيادييه تتوقع الحصول على حوالي 70 مقعدًا في الغرفة الأولى من أصل 325 مقعدًا.


نتائج الانتخابات بوأت الحزب الرتبة الثانية بـ47 مقعدًا بعدما شارك في 94 دائرة انتخابية من أصل 95 وهو ما اعتبره البعض تراجعًا للحزب مقارنة مع التوقعات ومقارنة أيضًا مع انتخابات 2002 التي حصل فيها الحزب على 42 مقعدًا بالرغم من أنه لم يرشح إلا في 56 دائرة من أصل 91 دائرة انتخابية، غير أن الأمين العام للحزب يرى بأن العدالة والتنمية احتل الرتبة الأولى من الناحية العملية بالنظر لعدد الأصوات المحصل عليها، ودليل ذلك هو حصوله على الرتبة الأولى في اللائحة الوطنية المخصصة للنساء والتي يتم انتخابها على مستوى القطر كله بعيدًا عن نظام اللوائح الحزبية (7 مقاعد من 330 وهو أكبر عدد يحصل عليه حزب).


ويرد أسباب عدم حصول الحزب على الرتبة الأولى إلى طبيعة نمط الاقتراع الذي لا يخدم التناسب بين عدد الأصوات المحصل عليها وبين عدد المقاعد المستحقة، بالإضافة إلى الاستخدام المفرط للمال لشراء أصوات الناخبين وهو ما غير الانتخابية في آخر لحظة، بالإضافة إلى ما اعتبره التوقيت غير المناسب ليوم الاقتراع.

 

وبغض النظر عن هذه المبررات التي يمكن أن تساهم بشكل موضوعي في خسارة الحزب لبعض المقاعد فإن العملية الانتخابية شابتها بعض الخروقات التي من شأنها التأثير في سلامة الاقتراع والتأثير على النتائج، فقد سجّل الملاحظون نسبة عالية من الناخبين الذين لم يستطيعوا الحصول على بطاقاتهم الانتخابية في مكاتب التصويت وصلت نسبتهم حسب بعض التقديرات إلى حوالي 15% من الناخبين، وهو ما أوجد نوعًا من الإحباط لدى العديد من المواطنين وعكس سوء تدبير الإدارة لملف البطاقات الانتخابية، وهناك شكوك قوية على أن الجمهور المستهدف بهذه العملية ربما يكون من ناخبي العدالة والتنمية.

 

العامل الثاني الذي يمكن أن يفسر هذا التراجع هو لجوء الإدارة إلى تقنية ماكرة تمثلت في إغراق عدد من الدوائر الانتخابية بعدد كبير من مكاتب التصويت بدعوى تقريب مكاتب التصويت من الناخبين، لكن ما حصل على المستوى العملي هو أن عددًا كبيرًا من الأحزاب السياسية لم تستطع تغطية جميع مكاتب التصويت بالمراقبين، وهو ما بعث شكوكًا قوية على إمكانية تلاعب بعض رؤساء مكاتب التصويت بالنتائج، ومن الأمثلة على ذلك ما حصل في نواحي مدينة العرائش في بعض مكاتب التصويت التي لم يستطع حزب العدالة والتنمية تغطيتها وهو ما سمح لعباس الفاسي، زعيم حزب الاستقلال والمرشح بها، من الحصول على المقعد الرابع والأخير وفق قاعدة أكبر، بعدما كان الاعتقاد سائدًا إلى آخر لحظة بأن الأمين العام لحزب الاستقلال فشل في تحصيل مقعد بالدائرة الانتخابية للعرائش - القصر الكبير، بعدما حصل حزب العدالة والتنمية على 3 مقاعد، ونفس الملاحظة تم تسجيلها بدائرة الحي المحمدي بالدار البيضاء، حيث ساد الاعتقاد بأن الحزب حصل على مقعدين إلى حدود الخامسة صباحًا حينما تغيرت النتائج بناء على محاضر أربعة مكاتب تصويت لم تشملها تغطية مراقبي الحزب هناك، وهو ما يبعث شكوكًا قوية على إمكانية التلاعب بالمحاضر، لكنه يطرح في نفس الوقت مشكلة صعوبة الإثبات.

 

وإذا كان قياديو الحزب يعتبرون بأن معركتهم كانت مع أباطرة المال وسماسرة الانتخابات، وليست مع الإدارة التي اعتبرها لحسن الداودي نائب الأمين العام للحزب "قد قامت بواجبها"، فإن هذا الموقف يندرج في نظرنا ضمن إستراتيجية الحزب القائمة على تفادي الاحتكاك بالسلطة وتفادي إحراجها من الناحية السياسية؛ لأنه من المؤكد أن الإدارة وقفت موقف الحياد السلبي أمام ظاهرة الاستخدام المفرط للمال واكتفت بالتفرج على عمليات شراء الأموال رغم تلقي مصالحها لعدد من الشكايات في هذا الصدد، كما تم تسجيل عجز الإدارة في بعض الأحيان على مسايرة إيقاع استخدام المال ومحدودية وسائل العمل لديها بالشكل الذي تستطيع به إثبات عمليات شراء أصوات الناخبين ومتابعة الجناة أمام العدالة..

 

ورغم ذلك يمكن القول بأن حزب العدالة رغم حصوله على الرتبة الثانية فقد استطاع أن يرفع من عدد برلمانييه مقارنة مع نتائج انتخابات 2002، كما أنه ساهم بشكل كبير في إسقاط رموز قيادية من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية واحتلال أماكنهم، هذا الأخير الذي عرف تراجعًا ملفتًا للانتباه واكتفى بالرتبة الخامسة بـ36 مقعدًا فقط بعدما كان يحتل الرتبة الأولى في الانتخابات السابقة بـ56 مقعدًا وشكل بذلك العمود الفقري للحكومة، وهو ما يطرح عدة أسئلة حول طبيعة السيناريوهات الممكنة بعد الإعلان النهائي على النتائج وتعيين الملك للوزير الأول طبقًا للفصل 24 من الدستور.

 


السيناريوهات الممكنة:


هناك سيناريوهان اثنان لتدبير المرحلة القادمة، ولكل سيناريو مرجحاته، لكن لكل سيناريو أيضًا تكلفته من الناحية السياسية.


السيناريو الأول: وهو سيناريو الاستمرارية.


فحسب نتائج الانتخابات حافظت أحزاب الائتلاف الحاكم على أغلبية المقاعد داخل مجلس النواب بغض النظر عن التغير الحاصل في الترتيب بعد التراجع اللافت للاتحاد الاشتراكي الذي اكتفى بتحصيل 36 مقعدًا، في حين حصل حزب الاستقلال على 52 مقعدًا، متبوعًا بالحركة الشعبية بـ43 مقعدًا، متبوعًا بالتجمع الوطني للأحرار بـ38 مقعدًا، والتقدم والاشتراكية بـ17 مقعدًا وهو ما يمنح هذه الأحزاب أغلبية برلمانية مريحة يمكن أن تشكل دعمًا برلمانيًّا قويًّا لحكومة سياسية بقيادة وزير أول من الحزب الأول.


وفي هذه الحالة من المتوقع أن يعين الملك الوزير الأول من حزب الاستقلال، لكن من المستبعد أن يتم تعيين عباس الفاسي وزيرًا أولاً لعدة اعتبارات، من بينها أن الرجل حصل على مقعد "مشكوك في نزاهته" بصعوبة كبيرة واحتل الرتبة الأخيرة في اللائحة، كما أنه يعتبر المسئول الأول عن فضيحة النجاة التي ذهب ضحيتها أزيد من 40 ألف معطل مغربي نتيجة وعود كاذبة بالتوظيف في شركة النجاة الإماراتية وما زال الملف معروضًا بيد القضاء، كما أن القريبين من شخصية عباس الفاسي يقرون بضعف كفاءته وعدم قدرته على تدبير الملفات الكبرى وهو ما جعله يحظى بمنصب وزير دولة بدون حقيبة وذلك لاعتبارات سياسية بالدرجة الأولى.


وفي هذه الحالة يرجح العديد من المراقبين تعيين الوزير الأول من الجيل الثاني لحزب الاستقلال، وربما يكون من بين أحد الوزراء الثلاثة لحزب الاستقلال في الحكومة الحالية: كريم غلاب أو عادل الدويري أو توفيق إحجيرة، وإن كان البعض يرجح كفة كريم غلاب؛ لكونه شخصية تقنوقراطية بعباءة حزبية استقلالية، ويتوفر على مؤهلات تقنية مشهود بها من طرف العديد من القريبين من المحيط الملكي.

 

تكلفة هذا السيناريو من الناحية السياسية تكمن في استبعاد حزب العدالة والتنمية ودفعه للمعارضة وهو الحزب الذي حصل على الرتبة الأولى من حيث عدد الأصوات، وهو ما من شأنه أن يرسخ لدى الرأي العام الوطني بأن هذه الحكومة ضعيفة المصداقية وسيرفع طبعًا من شعبية حزب العدالة والتنمية، مما يصعب من مهمة أحزاب هذه الحكومة في محطة انتخابات 2012 التي سيستعد لها حزب العدالة والتنمية بإستراتيجية مغايرة تتجاوز الفراغات التي لم ينتبه إليها في هذه المحطة.

 

السيناريو الثاني: وهو سيناريو أغلبية جديدة بإدماج حزب العدالة والتنمية.


نسبة حصول هذا السيناريو ضعيفة، وهي متوقفة على متغيرين اثنين: إما فشل المفاوضات بين أحزاب التحالف على تدبير المقاعد الحكومية، خاصة أن حزب الاتحاد الاشتراكي يوجد في وضعية لا تمنحه قوة تفاوضية أمام غريمه حزب الاستقلال، فضلاً على أن هناك بعض الأصوات بدأت ترتفع داخل الاتحاد الاشتراكي وتنادي بالعودة إلى موقع المعارضة وإعادة بناء الحزب والاستعداد للانتخابات القادمة بإستراتيجية جديدة.


لكن مؤشرات هذا التحول ضعيفة خاصة بعد تصريحات بعض قيادييه بتشبثهم بالتحالف الأغلبي الحالي، فضلاً عن تشبثهم بتحالف الكتلة الديمقراطية الذي يضم كلاًّ من الاتحاد والاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية.

 

المتغير الثاني الذي يتوقف عليه هذا السيناريو هو اتخاذ قرار سياسي من أعلى قمة هرم الدولة بإدماج حزب العدالة والتنمية في الحكومة، وفي هذه الحالة سيكون على حزب الاستقلال أن يتخلى عن أحد حلفائه (إما الاتحاد أو التجمع أو الشعبية).

 

وإذا استحضرنا حرص النظام السياسي المغربي على الاحتفاظ بمعارضة تتمتع بنوع من المصداقية لدى الرأي العام فإن المرشح لهذه الوظيفة سيكون هو الاتحاد الاشتراكي الذي سيكون مطالبًا باسترجاع ماضيه النضالي ورموزه التاريخية، في معركة إعادة البناء وترميم ما هشمته عشر سنوات من الاحتكاك بالسلطة مارس فيها الاتحاد الاشتراكي الكثير من البراجماتية، وتخلى فيها عن الكثير من المبادئ وخسر فيها الكثير من المناضلين، في حين حصل فيها على القليل من المكتسبات والقليل من الاحترام أيضًا...

 

تكلفة هذا السيناريو من الناحية السياسية هو انهيار ما يسمى بالكتلة الديمقراطية الحاكمة واختراق أحزاب التحالف الحكومي الحالي من قبل حزب العدالة والتنمية، وهو ما يعني انطلاق دورة جديدة لإعادة رسم معالم مشهد حزبي جديد لم تتضح خطوطه الكبرى بعد.
 
 
عبد العلي حامي الدين


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية